أحمد بن علي القلقشندي

64

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

بأنه لم يبق عن تقليدك الممالك الإسلاميّة بحمد اللَّه تعالى عذر ؛ فاختارك على علم العالمين ، واجتباك للذّبّ عن الإسلام والمسلمين ؛ واستخار اللَّه تعالى في ذلك فخار ؛ وأفاض عليك من بيعته المباركة مع فخرك المشتهر حلل الفخار ؛ وعهد إليك في كلّ ما اشتملت عليه دعوة إمامته المعظَّمة ، وأحكام خلافته التي لم تزل بها عقود الممالك في الطاعة منظَّمة ؛ وفوّض إليك سلطنة الممالك الإسلاميّة برّا وبحرا ، شاما ومصرا ؛ قربا وبعدا ، غورا ونجدا ؛ وما سيفتحه اللَّه عليك من البلاد ، وتستنقذه من أيدي ذوي الإلحاد ؛ وتقليد الملوك والوزراء ، وقضاة الحكم العزيز وتأمير الأمراء ؛ وتجهيز العساكر والبعوث للجهاد في سبيل اللَّه ومحاربة من ترى محاربته من الأعداء ، ومهادنة من ترى مهادنته منهم ؛ وجعل إليك في ذلك كله العقد والحلّ ، والإبرام والنقض والولاية والعزل ؛ وقلَّدك ذلك كلَّه تقليدا يقوم في تسليم الممالك إليك مقام الإقليد ( 1 ) ، ويقضي لقريبها وبعيدها بمشيئة اللَّه تعالى بمزيد التمهيد والتّشييد : لتعلم أنّ اللَّه قد جعل الأيام الشريفة الحاكمية - أدامها اللَّه تعالى - فلكا أبدى سالفا من البيت الشريف المنصوري أقمارا ، وأطلع منهم آنفا بدرا ملأ الخافقين أنوارا ؛ فكلَّما ظهرت لسلفه مآثر بدت مآثر خلفه أظهر ، ومن شاهدهم وشاهد شمس سعادته المنزّهة عن الأفول قال هذا أكبر ؛ وكلَّما ذكر لأحدهم فضل علم أنه في أيامه متزيّد ، وأنه إن مضى منهم سيّد في سبيله ، فقد قام بأطراف الأسنّة منهم سيّد ؛ وصيّر الدولة الشريفة الخليفيّة غابا إن غاب منهم أسود ، خلفهم شبل بشّرت مخايله أنّه عليها يسود . فليتقلَّد السلطان الملك الناصر ما قلَّده أمير المؤمنين ، وليكن لدعوته الهادية من الملبّين وعليها من المؤمّنين ؛ وليترقّ إلى هذه الرّتبة التي استحقّها بحسبه ، واسترقّها بنسبه ؛ وليباشرها مستبشرا ، ويظهر من شكر اللَّه تعالى عليها ما يغدو به مستظهرا ؛ فقد أراد أمير المؤمنين القيام في نصرة الدين الحنيف فأقامك

--> ( 1 ) الإقليد : المفتاح . معرب . وأصله « كليذ » .